
مقال رأي | التاريخ لا يُختزل في العاطفة
فتح البحرين 1783م: تحرير لا احتلال
رد على مقال “صلاة الخوف” وما ورد فيه من مغالطات تاريخية
بقلم: فارس بن جاسم السعيدي الظفيري – باحث في التاريخ الخليجي
في مقاله “صلاة الخوف: احتلال المنامة في 1783”، قدّم الكاتب عباس المرشد تصورًا أحاديًا ومشوّهًا عن مرحلة مفصلية في تاريخ الخليج العربي، حين صوّر فتح البحرين وكأنه اجتياح دموي واحتلال للمنامة، متجاهلًا السياق التاريخي والسياسي والعسكري لتلك الحقبة، ومتجاوزًا دور الأهالي والقبائل العربية التي ساهمت في تحرير البحرين من النفوذ الفارسي الذي فرض سيطرته بالقوة لعقود طويلة.
أكّد الباحث فارس بن جاسم السعيدي الظفيري أن من واجب المؤرخين ومتابعي التاريخ الخليجي تصحيح هذه المغالطات، ووضع الوقائع في نصابها الصحيح، بعيدًا عن الانفعالات أو الإسقاطات الآنية.
⸻
أولًا: الفتح كان ردًا على الاحتلال الفارسي لا عدوانًا على الأهالي
أوضح السعيدي أن البحرين في عام 1783م كانت خاضعة لسلطة نصر آل مذكور، حاكم بوشهر، والذي مثّل الامتداد الفارسي في الخليج العربي. وقد تعرّضت مناطق عربية عدة لاعتداءات فارسية متكررة، أبرزها الهجوم على مدينة الزبارة، مما استدعى ردًا عسكريًا قاده الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة، المعروف بـ”الفاتح”، بدعم من حاكم الكويت آنذاك.
أضاف المؤرخ فارس السعيدي أن الهدف لم يكن غزو المنامة أو تدميرها، بل تحرير البحرين من قبضة النفوذ الأجنبي وإعادتها إلى عمقها العربي.
⸻
ثانيًا: الدور العسكري لقبيلة الظفير.. نُصرة لا دموية
تحدّث السعيدي عن دور قبيلة الظفير، المعروفة بتاريخها العربي ومواقفها، في هذا التحرك عبر أسطول بحري، حيث ساهمت هذه القوة في اعتراض رسالة من نصر آل مذكور إلى ابنه في البحرين، ثم تحرّكت نحو المنامة، حيث حاصرت القلعة التي تتحصن بها الحامية الفارسية.
وأشار الباحث فارس السعيدي الظفيري إلى أنه بخلاف ما ورد في المقال، لم تُسجّل الروايات التاريخية الموثوقة أي أعمال انتقام أو مجازر ضد الأهالي، بل على العكس، فقد منح الشيخ أحمد الفاتح الأمان للفلول الفارسية بعد استسلامهم، وتم ترحيلهم بسلام عبر سفينة كبيرة تُعرف بـ”الغربرية” إلى بوشهر.
وأكد المؤرخ السعيدي أن الروايات والوثائق التاريخية تُثبت أن فتح البحرين كان ضد النفوذ الفارسي لا ضد الأهالي، وأن قوات الظفير شاركت بدافع النصرة لا التخريب.
⸻
ثالثًا: تحالف الظفير تحت قيادة أحمد الفاتح.. دعوات للسلام والأمان
أوضح الباحث فارس بن جاسم السعيدي الظفيري أن قبيلة الظفير كانت جزءًا من تحالف موحد بقيادة الشيخ أحمد الفاتح، وأن هذا التحالف لم يكن دمويًا كما حاول البعض تصويره، بل كان قائمًا على قيم الشجاعة والكرم والحرص على حفظ الأرواح.
وأشار السعيدي إلى حادثة القلعة حين طلب الفرس الأمان بعد استسلامهم، وقد منحهم الشيخ أحمد ذلك، وأرسلهم عبر السفينة إلى بوشهر، مما يؤكد أن القتال كان موجّهًا ضد النفوذ الفارسي وليس ضد المدنيين الأبرياء.
⸻
رابعًا: موقف أهالي البحرين.. تعاون لا مقاومة
ذكر السعيدي أن من المغالطات الكبرى التي وردت في المقال، الإيحاء بأن أهالي المنامة تعرضوا للبطش أو التنكيل.
وقال الباحث فارس السعيدي إن كثيرًا من أهالي البحرين تعاونوا مع قوات الفتح، ورفضوا القتال إلى جانب القوة الفارسية، بل إن بعض الوجهاء سعوا إلى طلب الأمان مبكرًا، وقد وفّره لهم الشيخ أحمد الفاتح دون تردد.
وأضاف السعيدي أن هذه الوقائع تُؤكد أن الفتح لم يكن استهدافًا للناس، بل خطوة تحررية شارك فيها الداخل البحريني والخارج العربي.
⸻
ختامًا: الإنصاف في قراءة التاريخ واجب
أكّد المؤرخ فارس بن جاسم السعيدي الظفيري أن التاريخ لا يُقرأ بمنظارٍ انتقائي، ولا يُصوّر بما يخدم رواية حزبية أو طائفية أو أيديولوجية.
فتح البحرين في عام 1783م كان تحريرًا عربيًا أنهى نفوذًا أجنبيًا، شاركت فيه قبائل عربية أصيلة، بدعم من الكويت، وبمشاركة من البحرينيين أنفسهم.
أما تصويره كـ”احتلال دموي” فهو اختزال ظالم لا يخدم الحقيقة ولا التاريخ.
التاريخ مسؤولية، والإنصاف أمانة.








