
الكبسة والسعيد.. جوارٌ ونخوة في ذاكرة الزبارة
محمد جمعة
في الزبارة، حيث يسرد البحر ملامح المجد، تتجلى إحدى صور التآلف والتلاحم بين القبائل الخليجية، ومن أبرزها العلاقة المتينة بين قبيلتي الكبسة والسعيد.
لم تكن هذه العلاقة سطحية أو طارئة، بل قامت على الجوار والنسب والمواقف والمودة، وامتدت أواصرها في البحر والبرّ.
⸻
فريحة والعريش.. جيرة تُروى
يروي عيسى بن مبارك بن هاشل الكبيسي جانبًا من ذاكرة المكان قائلاً:
“كنتُ أسكن في الحد بجزيرة المحرق، وذات يوم وصلت المنزل وحدثت والدي عن موقف مرّ بي، فقال لي: هؤلاء إخواننا وأهلنا. كنا نسكن العريش بجانب الزبارة، وكانوا يسكنون بالقرب منا في فريحة، المعروفة بفريحة السعيد.”
لقد جمعت فريحة السعيد والعريش بين القبيلتين في محيط سكني واجتماعي واحد، ترسّخت فيه المودة، وتوالت عليهما سنوات من العيش المشترك والتعاون والمواقف الرجولية.
⸻
قطامي الكبيسي.. شهادة تُحفَظ
تجلّت مكانة السعيد في ذاكرة أبناء الكبسة، ويتجلى ذلك في حديث قطامي الكبيسي، أحد وجهاء الكبسة المعروفين.
كان كلما ذُكر اسم السعيد، انبسط وجهه وأثنى على مواقفهم، مرددًا:
“رجال.. رجال.. ما تُنسى مواقفهم.”
كان يذكر سفنهم، وفزعاتهم، ومشاركاتهم في الحروب والمواقف البحرية، مؤكدًا أن:
“السعيد ربعنا وأهلنا، أذكرهم وأذكر جوالبتيهم. السعيد أهل فزعة، وقفوا مع العوائل والقبائل في الزبارة وغيرها.”
وهي إشارات صادقة إلى شراكة أصيلة لا تمحوها السنون، وذكريات تشهد على أخوّة ومروءة متجذّرة في البحر والبر.
⸻
مديح شعري في السعيد
وقد ورد ذكر قبيلة السعيد في إحدى قصائد الشاعر المعروف لحدان بن صباح الكبيسي، ضمن سياق المديح والثناء حين حديثه عن الزبارة وأحداثها.
ورغم أنه لم يذكر “فريحة السعيد” تحديدًا، فإن إشاراته للسعيد تحمل إعجابًا صريحًا بمواقفهم وسمعتهم الطيبة، وهو ما يُعد من التوثيقات الشفهية الوجدانية في الموروث الخليجي.
⸻
علاقات تاريخية ومواقف راسخة
وفي لقاء جمع بين الباحث والمؤرخ فارس بن جاسم السعيدي، والوجيه المعروف محمد بن حشر الكبيسي، جرى الحديث عن تواجد الكبسة في العريش وخداي، وعن ما جمع الكبسة والسعيد من جيرة ومصاهرة وتعاون في البحر والمجلس.
وقد صرّح الباحث السعيدي:
“العلاقة بين السعيد والكبسة لا تُختصر في الزبارة أو فريحة أو العريش، بل هي علاقة نسب وتآلف، تشهد عليها السفن في البحر، والمجالس في البر، وتتناقلها الألسن والوثائق القديمة التي وصلتنا من الأجداد.”
وأضاف:
“الكبسة قومٌ لهم تقديرهم، وقد جمعتهم بالسعيد روح المروءة وتاريخ لا تُمحى ملامحه من ذاكرة المنطقة، وهو ما نسعى لتوثيقه بعناية، وفاءً لما بناه السابقون من كرامة وودّ.”
⸻
ختام
لقد جمعت فريحة السعيد والعريش بين الكبسة والسعيد في الجوار والمواقف، وامتدت العلاقة من السكن إلى الصحبة، ومن البحر إلى القصيدة، ومن المجلس إلى ذاكرة القلوب.
إنها علاقة تُروى للأجيال، لا بالورق وحده، بل في المجالس، وفي البيوت، وعلى لسان الشعراء، كما قال لحدان، وكما ردّد قطامي الكبيسي، وكما وثّق فارس السعيد








